السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
297
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إلى آخر الآية ؛ إشارة إلى حكمة النهى عن الامساك للمضارة فإن التزويج لتتميم سعادة الحياة ، ولا يتم ذلك إلّا بسكون كل من الزوجين إلى الآخر وإعانته في رفع حوائج الغرائز ، والامساك خاصة رجوع إلى الاتصال والاجتماع بعد الانفصال والافتراق ، وفيه جمع الشمل بعد شتاته ، وأين ذلك من الرجوع بقصد المضارة . فمن يفعل ذلك أي امسك ضرار فقد ظلم نفسه حيث حملها على الانحراف عن الطريق التي تهدي إليها فطرته الانسانية . على أنه اتخذ آيات اللّه هزوا يستهزئ بها فإن اللّه سبحانه لم يشرع ما شرعه لهم من الاحكام تشريعا جامدا يقتصر فيه على اجرام الافعال أخذا وإعطاء وإمساكا وتسريحا وغير ذلك ، بل بناها على مصالح عامة يصلح بها فاسد الاجتماع ، ويتم بها سعادة الحياة الانسانية ، وخلطها بأخلاق فاضلة تتربى بها النفوس ، وتطهرها الأرواح ، وتصفو بها المعارف العالية : من التوحيد والولاية وسائر الاعتقادات الزاكية ، فمن اقتصر في دينه على ظواهر الاحكام ونبذ غيرها وراء ظهره فقد اتخذ آيات اللّه هزوا . والمراد بالنعمة في قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، نعمة الدين أو حقيقة الدين وهي السعادة التي تنال بالعمل بشرائع الدين كسعادة الحياة المختصة بتألف الزوجين ، فإن اللّه تعالى سمى السعادة الدينية نعمة كما في قوله تعالى : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ( المائدة / 3 ) ، وقوله تعالى : وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ( المائدة / 6 ) ، وقوله تعالى : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ( آل عمران / 103 ) . وعلى هذا يكون قوله تعالى بعده : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ، كالمفسر لهذه النعمة ، ويكون المراد بالكتاب والحكمة ظاهر الشريعة وباطنها أعني أحكامها وحكمها .